في الأزمنة الماضية لم تكن المعرفة مجرد نافلة إذا قام بها البعض لم يُلزم بها الآخرون، بل كانت فريضة لا يرضى تاركها عن نفسه، وبها قامت الأمة على أيدي علماء أجلاء سطروا بأقلامهم حروفًا من نور، لكنها لم تجد من يمدّها بالوقود لتظل تضيء الطريق وتنير القلوب وتحفظ العقول.
ولعلّ من بين هذه النماذج التربوية الخالدة، والتي حافظت على حضورها عبر القرون فتربّى على مفرداتها أجيال، تأتي رسالة «أيها الولد» للإمام أبي حامد الغزالي، بوصفها أحد أهم المتون المختصرة التي صيغت بروح تربوية عملية، تستهدف بناء الإنسان من الداخل قبل الخارج.
وبعيدًا عن «الغزالي» كأسطورة علمية، وما قدّمه من كنوز مضيئة في سماء العلم والمعرفة، فإن إسهامه هذا الكتاب في خصوصه يُعدّ من الجرعات التربوية المهمة التي ينبغي لكل راعٍ في بيته أن يحرص على التمسّك بتطبيق ما ورد فيها قبل اقتنائه، ولمَ لا؟ وقد خُصّ الكتاب بأنه من ذوات الأثر العميق في تاريخ الفكر الإسلامي، فهو خلاصة تجربة علمية وروحية طويلة صاغها الإمام في صورة رسالة ناصحة إلى أحد طلابه لتكون صالحة لكل شاب ناشئ، مما جعل هذا الكتاب يحظى بعناية فائقة من العلماء قديمًا وحديثًا، لدرجة اعتباره من أهم الرسائل التي تُجسّد الحياة التربوية عمليًا عند الإمام الغزالي.
ومن جملة القول بأن هذا الكتاب الماتع حوى رسائل مركّزة عدة أكد فيها الإمام الغزالي أن الغاية من العلم ليست مجرد التكديس المعرفي، بل تحويل المعرفة إلى سلوك منضبط وعمل بنّاء ومثمر، نظرًا لما يقرّره الإمام فيما يقدّمه للناس من أن العلم إذا لم يُثمر خشية لله تعالى وتقويمًا للنفس، فإنه يكون حجة على صاحبه لا له.
ومن هنا فإن هذه الجرعة العلمية المنهجية التربوية المتمثّلة في كتاب «أيها الولد» تؤسس عبر صفحاتها لمنهج تربوي يربط بين التحصيل والانضباط، ويجعل من تزكية النفس شرطًا لسلامة المسار العلمي، حيث تنبع هذه المنهجية المنضبطة من مشروع إصلاحي للإمام يقوم على إعادة التوازن بين الظاهر والباطن، وبين المعرفة والقيم، وهو ما يتجلّى بوضوح راسخ في هذا الكتاب، بوصفه نصًا إرشاديًا موجزًا يعكس هذا التكامل.
ثم اعلم أيها القارئ الكريم أن من أبرز ما يدعوك لقراءة هذا الكتاب واتخاذه منهجية حياتية تقيم أسرتك وطلابك، هو تأكيده على المجاهدة والانضباط الذاتي، حيث يوجّه الكتاب الطالب والشاب إلى محاسبة النفس، وحراسة الوقت، وضبط النية، وعدم الاغترار بكثرة العلم أو الشهرة، وهو بُعد لو تعلمون عظيم، لما يمثّله من جوهر العملية التربوية المنضبطة؛ إذ ينتقل بالمتعلّم من الالتزام الخارجي المفروض إلى الرقابة الداخلية النابعة من الوعي والإيمان.
وقد يتساءل البعض بأن كتابًا قد ألّفه صاحبه في القرن الخامس الهجري، فأَنّى يكون صالحًا لزمان تعج أركانه بالضجيج الرقمي، وهنا ينبغي الإشارة إلى أن مضامين هذا الكتاب حقًّا صالحة للاستثمار التربوي في يومنا هذا، خاصة في ظل ما يواجهه المجتمع من تحديات تتمثّل في الانفلات القيمي وتشتّت مصادر المعرفة، ولذا فإنني أقول لك: إذا كان من ذاق عرف، فإن من عرف اغترف.
لم تكن نظريات الإعلام في يوم من الأيام مجرد بوتقة لإفراغ بعض الآراء في هذا المجال، ولكنها حتمًا كانت ضرورية في تنظيم ما تمر به المعلومة الأولى كسلعة أساسية لهذه المنظومة منذ الكشف عنها وحتى وصولها للجمهور، فنظرية كنظرية الأجندة أو ترتيب الأولويات، وما مرت به من تطور في بعض الأوقات وهجومٍ في وقتٍ آخر، كان وجودها ضرورة في تحديد أولويات الجمهور والوقوف على احتياجاته الأصلية من منطلق واقعه الحقيقي لا من واقع توجهات المؤسسات الإعلامية واهتماماتها الخاصة.
لم يستدعِ طرح هذا النوع من النقاش سوى ما نعيشه من تجاهل إعلاميٍّ تامٍّ لواقع الناس الحقيقي، واللهث الدائم خلف تفاهات لا تستهدف سوى تحقيق أرباح لحظية، وهنا على سبيل المثال لا الحصر، حينما نتحدث عن الأمن القومي للأوطان، تتجه الأذهان غالبًا إلى الحدود والسلاح والاقتصاد، غير أن هناك موردًا لا يقل أهمية عن ذلك كله، بل ربما يتقدم عليها جميعًا، وهو الماء؛ ذلك العنصر الذي جعله الله تعالى أساس الحياة وشرط استمرارها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
والماء كقضية، هي في حد ذاتها على رأس أولويات الجمهور، بدءًا من فقه التعامل معها، والإحساس بقيمتها وأهميتها، وانتهاءً بالوعي التام بما يحيط بها.
إن المتابع للمشهد الإعلامي يلحظ أن كثيرًا من القضايا تحظى بمساحات واسعة من التغطية والنقاش، بينما لا تزال قضية المياه أقل حضورًا مما تستحق، رغم أنها تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتتصل بالأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئي للدولة، وهنا لا أتحدث فقط عن مخاطر المياه في حد ذاتها، أكثر من سؤال أود طرحه على القائم بالاتصال، وهو: أين دورك في توعية المواطن بقيمة ما لا يمكنه الاستغناء عنه، وبفقه ترشيد استهلاكه؟ وماذا لو استيقظ المواطن على تحديات يُضطر خلالها إلى الالتزام باستخدام قدر لا يمكن أن يزيد عنه في اليوم والليلة من المياه؟
لقد أصبحت المياه في القرن الحادي والعشرين أحد أهم محددات التنمية والاستقرار، ولذا فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن العالم يواجه ضغوطًا متزايدة على الموارد المائية نتيجة النمو السكاني والتغيرات المناخية والتوسع العمراني. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات حماية هذا المورد الحيوي، فماذا قدَّم الإعلام؟!
وإذ كانت أول معلومة تصدر لطلاب الإعلام بأن المهمة الأساسية للإعلام هي التثقيف والتنوير، وأنه دور يفوق المهمة الوحيدة من نقل الخبر والمعلومة دون الإحاطة بأبعادها، فهنا يأتي الدور المحوري للإعلام؛ وهو أن مهمته تمتد إلى بناء الوعي وتشكيل السلوك وصناعة الأولويات المجتمعية، ومن ثمَّ فإن الإعلام مُطالب بأن يجعل قضية المياه قضية يومية حاضرة في أجندته، من خلال البرامج الحوارية والتقارير الميدانية والحملات التوعوية والمحتوى الرقمي الموجَّه لمختلف الفئات العمرية.
إن التوعية بقضايا المياه لا تعني فقط الحديث عن ندرتها أو التحديات المرتبطة بها، بل تشمل أيضًا نشر ثقافة الترشيد، وتصحيح السلوكيات الخاطئة في الاستهلاك، وإبراز الجهود الوطنية في إدارة الموارد المائية، وتعريف المواطنين بالعلاقة الوثيقة بين كل قطرة ماء وبين أمنهم الغذائي ومستقبل أبنائهم، بل وحياتهم أنفسهم.
كما ينبغي الإشارة أيضًا إلى أن المحافظة على المياه ليس مجرد سلوك حضاري، بل هي واجب ديني وأخلاقي، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة تحثُّ على عدم الإسراف في الموارد كافة، وجعلت الاعتدال منهجًا عامًا للحياة، قال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد بلغ من عناية الإسلام بالماء أن النبي ﷺ نهى عن الإسراف فيه حتى في حال الوفرة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن قيمة الماء لا ترتبط بمدى توفره فقط، وإنما بكونه نعمة يجب صيانتها وحسن الانتفاع بها. ومن هنا فإن ترشيد استهلاك المياه ليس استجابة لاعتبارات اقتصادية أو بيئية فحسب، بل هو التزام ديني يعكس وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه النعمة التي أنعم الله بها عليه.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الإعلامية والدينية والتعليمية والمجتمعية من أجل ترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه، وتحويلها من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة يومية وسلوك مجتمعي مستدام.
ثم إن خلاصة القول لا بد وأن يعلم القائمون على المنظومة الإعلامية أن المعركة الحقيقية ليست فقط في توفير المياه، وإنما في بناء وعي يحافظ عليها، وأنتم لا شك خط الدفاع الأول في هذه المعركة، بكم تقوم الحياة، وفي غيابكم وتجاهلكم تكثر المخاطر والتحديات.
د. محمد ورداني يكتب.
عندما يصبح سؤالنا: من الأقل سوءًا؟
كلُّنا يدرك ما تتعرض له المؤسسات العامة والخاصة وما تمرُّ به حاليًا من فترة عصيبة، تتغير خلالها معايير التقييم بصورة مؤلمة، ولذلك أسبابه التي يطول شرحها وتفسيرها، فبعضها ما بين اتباع سياسة الشخصنة في الإدارة، وما بين سياسة "تستيف" الأوراق وتسكين المهام بغض النظر عن جودة المنتج، أو عظمة المُخرج، لنجد أنفسنا أمام حالة إعياءٍ تحتاج إلى تدخلات جراحية عاجلة تستأصل مصدر هذه الأمراض، وتنقذ أجساد هذه المؤسسات من كل داء يهدِّدُ بقاءها.
أعلم علم اليقين وجود رغباتٍ متعددة للتطوير، ومحاولاتٍ دائمةٍ للخروج من عنق الزجاجة -وإن كان بعضها مجرَّد اجتهاداتٍ فرديَّةٍ-، إلا أن هذه الاجتهادات تجد نفسها في كثير من الأحيان في مهبِّ الريح، عندما تُفاجئ أن مقترحاتها في التطوير عندما توضع موضع التنفيذ لا يكون سؤالها المطروح على مائدة صناعة القرار: من الأفضل؟ بل يصبح السؤال: من الأقل سوءًا؟!
حينها، لا تكون المشكلة في الأشخاص فقط، بل في البيئة التي اعتادت الحد الأدني، وتخلَّت عن ثقافة التميُّز والإبداع والتطوير.
ياسادة! المؤسسات الناجحة لا تبحث عن «أقلّ الخسائر»، بل تصنع «أفضل الفرص»، ولا تكتفي بتجنب الفشل، بل تسعى إلى تحقيق النجاح الحقيقي في كل خطوة تخطوها، وكل خطواتها لابد وأن تنبثق من رؤية واقعية، تأخذ في اعتبارها طبيعة إمكاناتها البشرية والمادية، فما تمتلكه مؤسساتنا من كفاءات أكبر من أن يتم حصره، لكن إذا توافرت النية الصادقة في الإصلاح والتطوير، لكننا أصبحنا أمام رغبات شخصية لا تسمح بفتح الأبواب إلا بالهوى وما يحمله من رياح التأخر العاتية، فغالبًا لا ينتج الهوى الخاص ما يصلح الحال العام.
إذًا نحن أمام احتياج عاجلٍ لغرفة إفاقةٍ تنهض بمؤسساتنا ومجتمعاتنا، وليس لإسعافات أوليَّةٍ، وتمرميماتٍ مؤقَّتتةٍ ضررها أقلُّ من نفعها، بل أمام اختبار ضروري للضمير والإنسان الذي خلقه الله للإعمار والإصلاح لا للإفساد والإهلاك، نحن في سفينةٍ واحدةٍ إذا أصابها خرق غرقت وغرق جميع من فيها، فتعاونوا على الحق، فالله في عون العباد ما أعان بعضهم بعضًا.
د. محمد ورداني يكتب.. وهمُ المعرفة وأزمةُ الانتباه
في وقت سابقٍ ليس ببعيد، لم تكن المعرفة سهلة المنال لكنَّها كانت تحتاج إلى جِدٍّ واجتهادٍ وسعيٍ لمجرد الوصول إليها كمرحلة أوليَّةٍ، تليها مرحلة التفسير والفهم والإدراك لما ورد في طيَّاتها من رسائل ومعاني، وهنا تبدأ الحكاية، حيث إنَّ هذه العملية استطاعت أن تصنع قارئًا عالِمًا، رغم ضحالة المعلومات وطول الطريق، فالمنطق يقول كلَّما توافرت المعرفة والمعلومة، كلَّما أصبح الإنسان أكثر عِلمًا، لكنَّ الواقع كان له رأيٌ آخر.
واستحضارًا لهذا الواقع، يمكننا القول بأنه لم يعد السؤال اليوم: هل وصلت إليك المعلومة؟ بقدر ما أصبحت الصياغة الواجبة لهذا السؤال، هي: هل بقي لديك ما يكفي من الانتباه لتفهُّمها؟ بعدما أصبح الإنسان يعيش في عالم مليءٍ بضجيج التكنولوجيا، ففي عصر تتدفق فيه آلاف الرسائل اليومية، والإشعارات اللحظية عبر شاشات الهواتف التي لا تفارق أيدينا ولا أعيننا، لم تعد الندرة في المعلومات، وإنَّما في القدرة على التركيز والتمييز والتَّأمل، وهنا تبدو أزمتنا الحقيقية.
إنَّنا أمام شريحةٍ متزايدة من الشباب تعيش في غيابات الجُبِّ، ولا علاقة لها بالمعرفة رغم إحاطتها به من كل جانب، حتى أصبحت المعلومة هي التي تبحث عن قارئها بعدما كان القارئ يرهق نفسه في البحث عنها.
ما سبق يدقُّ ناقوس الخطر، ويخبرنا بأن الأمر في ذاته جلل، ويحتاج إلى مراجعةٍ عاجلةٍ على كافَّة المستويات المسئولة عن الإنسان في عالمنا اليوم، وفي مجتمعنا العربي على وجه الخصوص الذي يعنينا شأنه أكثر من غيره، إننا أمام مصطلحٍ جديدٍ وخطير، ألا وهو «وهمُ المعرفة»، فكثيرٌ ممن يحسنون استخدام التكنولوجيا، يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم حصَّلوا العلم وأحاطوا بالمعرفة، دون أن يدركوا أنهم أُحيطوا بسياجٍ متينٍ حكم على عقولهم بالتوقف المؤبَّد.
هذا الوهم هو صناعة "خوارزمية" من الطراز الأول، وضعتك في عالمٍ افتراضيٍّ ظاهره المعرفة، وباطنه والفراغ، حتى أصبحت أسير منصَّاتٍ، خُطِّط لها بعنايةٍ فائقةٍ، هدفها الأول أن تسلب إرادتك وأن تكون عزيمتك رهينة لدى المستثمرين في هذا القطاع، فتعيش أوهامًا مزيَّفةٍ تكفي لأن تبقيك ساعات وأيام وشهور، بل وسنين تائه بلا هدف، ومنفقٌ بلا قيمة.
أيها القارئ الكريم! سواءً كنت معلِّمًا أو مسئولًا أو وليَّ أمرٍ، فإني لا أجد لك حجة ولا إعفاءً من مسئولية ينبغي أن تعي مخاطرها ونتائجها التي لم تكن خفية بل أصبحنا نراها رأي العين في جيل صاعد، بلا وعيٍ ولا معرفةٍ، لا يملك أي أدواتٍ، تقيه من المخاطر التي تهدد عقله وتسلب انتباهه وتقضي على ما بقي من ملكة التدبُّر والتفكر التي فُطر عليها.
وأخيرًا، فإنَّ معركتنا الحقيقية ليست مع نقص المعلومات، بل مع استعادة القدرة على التفكير الهادئ والمتأنّي، قبل الغرق في بحور المعلومات التي لا نهاية لها، والأمم لا تتقدم بكثرة ما تستهلكه من معلوماتٍ، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى عملٍ نافعٍ، فأعيدوا لعقولكم وظيفتها التي خُلقت لها.